ابن سبعين
416
رسائل ابن سبعين
وهي ثابتة الحد في العقل ، وفعلها في البداية إخراج الشرير من الشر المحض إلى الخير المشترك ، وفي السالك تنقله من الخير المضاف إلى مضاف آخر أرفع منه ، وفي الفاضل ثبوت الخير المحض ، والإكثار من فوائده الواردة ، وحفظها ودفعه من الخير الذي لا إضافة فيه . والتوبة هي التي تميز الخير المحتمل الذي يقال على الكل أعني : على الشرير والفاضل ، وتفصله من ضده الذي لا يطلق إلا على ماهية واحدة ، فإن الخير هو المحبوب عند جميع الناس ، وله يطلب الكل ، وعليه يعمل كل صاحب مذهب محمود أو مذموم ، ولا بد لكل خير حادث من خير ما يتشوق إليه ، وهو الذي يحركه في أموره كلها ، والمستحسن منه هو الخير الذي فيه أو به أو منه الكمال والسعادة والرفعة ، وهو الذي نبه عليه المرشد ، وحض عليه العليم الخبير سبحانه ، وأنواعه ثلاثة : ما يراد لنفسه ولغيره ، وما يراد لنفسه ولا لغيره ، وما يراد لغيره لا لنفسه . فصل : قد يخطر ببال التائب قبولها أو ضده ، وهذا الخاطر يجذب لذاتها له أو يدفعها عنه ، وهو يقوي نشاطه أو يضعفه ، وكثيرا ما قطع قارع هذا الخاطر قلب السالك الواقف ، وهذا الخاطر هو الذي يخرب نظام البسط ، ويقيم مركب القبض ، ولولا ما يستعان بالرجاء عليه لم تستقم معه طيبات الأحوال عند الضعفاء ، ومحركه في الباطن الخوف ، والإنسان به على قارعة الممكن سالك ، وراقب في ميدان الشك بما يسمع من السلف الصالح ، فإنهم كانوا إذا تابوا رغبوا إلى اللّه في قبولها ، فلو كانت معلومة القبول والتائب على يقين من قبول توبته ما سأل اللّه قبولها واحد منهم بقصد إلا حول قصده ، فإن الحاصل لا يبتغى ، فإن خطر ببالك أيها المسترشد مثل هذا الخاطر المتباين ادفعه عن نفسك بالعلامات الشرعية المحمودة المكرمة ، وبقوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ يونس : 64 ] ، وبقوله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] ، وبرؤية الحق في النوم ، ورؤيته في الحال ، وبرؤيته في الكون ، وبحسن الظن في الكريم الذي إذا قرب عبدا لا يعبده من حيث الأكثر . وإياك والقطع على العزيز ، فإنه منزه عنه ، وإذا جوزنا للولي أنه يحدث ويكاشف ويشاهد أرواح الأنبياء في الدنيا قبل الآخرة ، ويتعلم منهم العلوم العظيمة لم يصعب علينا تعرفه قبول توبته وسعادته في الدنيا قبل الآخرة ، وكما ضمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه في الحياة يضمن لأتباعه وأحبابه وإخوانه ، كما أخبر في الحياة الأبدية المحمودة ، ويحدثهم ويفيدهم الأمور العظيمة السنية ، وبالذي يخبر الولي على الغيب قبل وقوع حكم المخبر عنه يخبر